
يواجه سوق الهواتف الذكية عالميًا واحدة من أعنف الأزمات الهيكلية في تاريخه الحديث، مع استمرار الموجة الجارفة للتوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على سلاسل الإمداد، لتدفع المكونات الرئيسية للتصنيع إلى مستويات قياسية أربكت حسابات كبرى الشركات العالمية.
واستنادًا إلى بيانات حركة الشحنات العالمية الأخيرة، كشفت الأرقام عن انكماش صادم في شحنات الهواتف الذكية خلال الربع الثالث من العام الجاري بنسبة بلغت 22% على أساس سنوي، لتتوقف الشحنات عند حدود 255.3 مليون وحدة فقط. وهو هبوط حاد تجاوز أعتى التوقعات التشاؤمية التي كانت ترجح تراجعًا لا يتعدى 13% للعام بأكمله.
معركة الذاكرة.. الذكاء الاصطناعي يلتهم المكونات
الشرارة الحقيقية لهذه الأزمة تنبع من السباق المحموم نحو بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى سحب كميات ضخمة من رقائق الذاكرة والتخزين من الأسواق. هذا الطلب الهائل أطلق شرارة زيادة خيالية في تكاليف الذاكرة تجاوزت 350% مقارنة بالعام الماضي، لتجد شركات الهواتف نفسها أمام مأزق طاحون بين امتصاص التكلفة أو تحميلها للمستهلك النهائي.
هذا الضغط الهائل على هوامش الربح أجبر المصنعين على اتخاذ قرارات دراماتيكية، شملت تقليص مواصفات بعض الفئات، والرفع المباشر للأسعار، بل والتخلي التام عن إنتاج بعض الموديلات الاقتصادية التي لم تعد مجدية تجاريًا.
زلزال في المبيعات.. الصينيون الأكثر تضررًا وسامسونج وأبل تتسلحان بالفئات العليا
الضربة الأقوى تلقتها العلامات التجارية الصينية التي تعتمد بشكل كبير على الفئات المتوسطة الاقتصادية؛ حيث هوت شحنات شركة “أوبو” بنسبة تجاوزت 34%، تلتها “فيفو” بتراجع قارب 31.5%، بينما انخفضت شحنات “شاومي” بنحو 29.2%.
في المقابل، أظهرت الشركات العملاقة مرونة أكبر نسبيًا بفضل تركيزها على الفئات العليا (Flagships). ورغم الانخفاض الإجمالي، حافظت “سامسونج” على صدارة السوق عالميًا بحصة بلغت 22.6% بعد شحنها زهاء 57.8 مليون جهاز، تليها “أبل” مباشرة بحصة 22.4% وشحنات وصلت إلى 57.3 مليون وحدة، مدعومة بالزخم الذي يرافق عادة إطلاق طرازاتها الجديدة.
رؤية مستقبليّة: الأسوأ لم يأتِ بعد والتعافي معلق حتى 2028
المؤشرات الحالية تؤكد أن القطاع يعيش إعادة تشكيل دائم في هيكل التكاليف وليس مجرد كبوة عابرة. وفي ظل استمرار ارتفاع أسعار المكونات، بات من الواضح أن السوق يتجه نحو الانكماش لصالح الشرائح المتميزة مرتفعة السعر، مما يعزز موقف الشركات ذات القنوات التوزيعية القوية والمنتجات الفاخرة.
وتشير التقديرات والتحليلات الميدانية إلى أن السوق لم يلامس القاع بعد، وأن الضغوط على هوامش الأرباح ستشتد خلال الفصول القادمة، مما يعني أن أي تعافٍ حقيقي وملموس لمستويات الطلب العالمية لن يلوح في الأفق قبل عام 2028 على أقرب تقدير.



